سلط تقرير تحليلي نشره موقع "ميدل إيست فوروم"، الضوء على التحولات الجيوسياسية المتسارعة في شرق البحر الأبيض المتوسط، مؤكدًا أن المكاسب الأخيرة التي حققتها تركيا في الملف الليبي وضعت حدودًا واضحة لعمق التعاون الاستراتيجي بين القاهرة وأثينا، على الرغم من متانة الشراكة الثنائية بينهما.
وأشار التقرير إلى نقطة تحول بارزة حدثت مؤخرًا؛ ففي الوقت الذي التقى فيه مسؤولون يونانيون ومصريون في أثينا منتصف أكتوبر الجاري لبحث ملفات الأمن والنزاعات البحرية، صادق مجلس النواب الليبي في بنغازي (الذي كان يرفض التوافقات التركية سابقًا) بشكل مفاجئ على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019.
وقال إن هذا التطور منح تركيا قدرة غير مسبوقة على بناء الجسور مع معسكري النزاع في شرق وغرب ليبيا، مما عقد مساعي مصر واليونان للحد من النفوذ التركي هناك.
وأوضح التحليل أن الفجوة في التعاون المشترك تنبع من تباين الأولويات والأهداف العملية لكل من البلدين تجاه التحركات التركية.
إذ ينصب تركيز مصر الأساسي على ضمان استقرار حدودها الغربية المتاخمة لليبيا والحفاظ على نفوذها السياسي هناك. وعلى الرغم من رفض مصر القاطع للاتفاقية التركية-الليبية ومواصلة وزير خارجيتها، بدر عبدالعاطي، التمسك بالحقوق الاقتصادية لبلاده خلال لقائه بنظيره التركي هاكان فيدان في إسطنبول، إلا أن القاهرة تنتهج "براجماتية مرنة"؛ فهي تفضل إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع أنقرة لمنع هيمنة خلاف منفرد على مجمل العلاقات الاقتصادية والسياسية النامية بين البلدين.
المقاربة اليونانية
تمثل الاتفاقية التركية-الليبية تهديدًا مباشرًا للسيادة اليونانية وحقوقها البحرية جنوب جزيرة كريت، مما يضع عرقلة هذه الاتفاقية على رأس أولويات أثينا الدبلوماسية. وبناءً عليه، تواجه اليونان ضرورة تنويع تحركاتها وبناء علاقات مستقلة مع الفصائل الليبية المختلفة بدلاً من الاعتماد الكلي على التحالف التقليدي.
وبينما تهتم مصر باستقرار ليبيا وأمن حدودها، فإنها تُركّز على الحفاظ على نفوذها. في المقابل، تواجه اليونان تحديات مباشرة لسيادتها، وتحتاج إلى تنويع جهودها الدبلوماسية من خلال بناء علاقات مع جميع الفصائل الليبية. ومع تعزيز تركيا لنفوذها، يتعين على أثينا والقاهرة التكيف، والعمل معًا حيثما أمكن، مع السعي في الوقت نفسه إلى التواصل بشكل مستقل. شراكتهما متينة، لكن نجاحها على المدى الطويل يعتمد على المرونة والحوار والقدرة على إدارة المصالح المتضاربة.
لا تُقوّض هذه الاختلافات التعاون الثنائي، لكنها تُحدّد نطاقه. ينبغي لأثينا التركيز على أوجه التداخل العملية، مثل تحديث الاتفاقية البحرية، للحفاظ على قوة التنسيق. في الوقت نفسه، تحتاج اليونان إلى تطوير علاقاتها مع السلطات الليبية المنافسة. ويُعدّ تعميق تركيا لانخراطها في شرق ليبيا تذكيرًا بأهمية اتباع نهج أوسع وأكثر مرونة.
رد الفعل الأمريكي
وفي سياق متصل، تراقب الولايات المتحدة هذه التطورات بحذر؛ حيث وصفت وزارة الخارجية الأمريكية مصادقة البرلمان الليبي على المذكرة بـ "الاستفزازية"، داعية الحليفين في حلف الناتو (اليونان وتركيا) إلى حل النزاعات عبر الحوار، محذرة من أن عدم وضوح الحدود البحرية قد يعطل الاستثمارات الدولية ومشاريع استكشاف الطاقة في المنطقة الحيوية.
وقال التقرير إن رد فعل واشنطن يُظهر رغبتها في تجنب التوتر بين الحلفاء. لكن هذا النزاع لا يقتصر على اليونان وتركيا فحسب، فمصر وليبيا لهما مصالح فيه أيضًا. وقد يؤدي عدم اليقين بشأن الحدود البحرية إلى إبطاء عمليات استكشاف الطاقة والاستثمار فيها. تسعى الولايات المتحدة إلى حلول تفاوضية، لكن لا ينبغي لها تجاهل حقوق الدول الأخرى المتأثرة بالاتفاقية.
بالنسبة لليونان، قال التحليل إن الدبلوماسية الأمريكية تُسهم في حل المشكلة، لكنها لا تُغني عن خطة إقليمية أشمل. كما يتعين على واشنطن أن تُدرك أن الدور التركي المتنامي في ليبيا يُؤثر على العديد من الشركاء الأمريكيين، وليس على اليونان فحسب، وعلى مصالحها الخاصة في استقرار المنطقة أيضًا.
مع ذلك، خلص التقرير إلى أن التغييرات الأخيرة لا تُشير إلى أزمة في العلاقات اليونانية المصرية، إذ لا تزال الحكومتان تُعارضان مذكرة التفاهم التركية الليبية، وتبحثان عن سُبل جديدة للتعاون. يُمكن لليونان ومصر أن تظلا شريكتين حتى وإن اختلفتا في نهجهما تجاه تركيا. إلا أن كيفية إدارتهما لهذه الاختلافات ستُحدد ما يُمكنهما تحقيقه معًا في المنطقة.
https://www.al-monitor.com/originals/2026/10/egyptian-man-who-fire-bombed-pro-israel-rally-colorado-pleads-guilty-federal-hate

